احد رجالات الثورة المغيبون

    شاطر
    avatar
    المدير العام
    المدير العام للمنتدى
    المدير العام للمنتدى

    ذكر عدد المساهمات : 68
    نقاط التميز : 4448
    السٌّمعَة : 6
    تاريخ التسجيل : 14/08/2010

    احد رجالات الثورة المغيبون

    مُساهمة من طرف المدير العام في الأربعاء مايو 18, 2011 5:28 am

    بداية‭ ‬الرحلة رغم أن السلطات الاستعمارية سجلت الشيخ عبد اللطيف سلطاني على أنه من مواليد 1904 دون ذكر اليوم والشهر، إلا أن الشيخ استطاع بفضل حسابات ومقاربات مع أحداث معينة أن يعرف تاريخ ميلاده بالضبط، وكان ذلك في 8 جوان 1902، وقد ترعرع الشيخ رحمه الله في عائلة محافظة في بلدة القنطرة ببسكرة، وكان والده إماما بمسجدها، وكان له ثلاثة أشقاء ذكور (لمين والعرفي وعمر) وشقيقتان، فشقيقه الأكبر لمين كان عالما وإماما، درس في جامع الزيتونة بتونس، أما العرفي فسافر إلى تونس وأقام فيها إلى أن انقطع أثره بعد ذلك، ورغم أن الابن الأكبر للشيخ‭ ‬سلطاني‭ ‬سافر‭ ‬إلى‮ ‬تونس‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬عمه‭ ‬العرفي،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬له‭ ‬أي‭ ‬أثر،‮ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬لأبنائه‭ ‬من‭ ‬بعده‭.‬

    * أول‭ ‬من‭ ‬أسس‭ ‬قِسما‭ ‬لتعليم‭ ‬البنات
    *
    * انتسب الشيخ عبد اللطيف إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ونشط في البداية في مسقط رأسه بالقنطرة، ثم بالقرارم بميلة، وفي 1947 أسس مدرسة الهدى القرآنية، وفتح لأول مرة منذ عقود قسما لتعليم البنات، في زمن لم يكن يُسمح فيه للبنت أن تخرج من بيت والدها إلا لبيت زوجها، وشجع العائلات الجزائرية على إرسال بناتها إلى المدارس القرآنية للتعلم، بعيدا عن أجواء الاختلاط بين الجنسين، مخترقة بذلك جدار الجهل السميك، الذي حاولت فرنسا أن تفرضه على المجتمع الجزائري، وعلى المرأة الجزائرية بالذات، إذ كان من النادر في ذلك الوقت أن‭ ‬تجد‭ ‬امرأة‭ ‬متعلمة‮.‬
    *
    * الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف‭ ‬يتحدى‭ ‬تلفزيون‭ ‬العجائب
    * في الصباح، كان البنون يدرسون في المدرسة الفرنسية، وفي المساء، يذهبون للدراسة في المدرسة القرآنية، بينما كانت البنات يدرسن صباحا، ويبدو أن الفرنسيين لم يعجبهم الدور الذي أصبح يلعبه الشيخ عبد اللطيف، منذ تأسيس مدرسة الهدى لتعليم النشء اللغة العربية، وتحفيظهم الآيات القرآنية، فلجأت إلى خطة شيطانية لتلهية الفتيان وإبعادهم عن تعلم القرآن، فأحضرت شاحنة بها تلفزيون كبير، تبث أفلاما فرنسية في نفس التوقيت الذي يدرس فيه التلاميذ عند الشيخ عبد اللطيف، الذي كان صارما مع التلاميذ الذين يتغيّبون عن الدراسة لمشاهدة الفيلم‭ ‬السنيمائي،‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬قد‭ ‬مضى‭ ‬على‭ ‬اختراع‭ ‬التلفزيون‭ ‬إلا‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة،‮ ‬لذلك‭ ‬كان‭ ‬يثير‭ ‬انبهار‭ ‬التلاميذ‭ ‬ويجذبهم‭.‬
    *
    * في‭ ‬ضيافة‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬الخامس
    *
    * ما بين 1949 و1951، انتقل الشيخ عبد اللطيف إلى قسنطينة مسقط رأس الشيخ عبد الحميد بن باديس، وأصبح نشاطه في جمعية العلماء المسلمين أكبر في الشرق، وبعد سفر الشيخ البشير الإبراهيمي ـ الذي خلف الشيخ ابن باديس على رأس الجمعية ـ إلى المشرق، طلب الشيخ عبد اللطيف الانتقال إلى العاصمة، حيث عين نائبا لرئيس الجمعية وأمينا للمال، وكان من بين وفد جمعية العلماء المسلمين الذي زار المغرب لتهنئة السلطان محمد الخامس لعودته سالما من منفاه في مدغشقر، وضم هذا الوفد إلى جانب الشيخ عبد اللطيف سلطاني، كلا من الشيخ خير الدين والشاعر محمد العيد آل الخليفة والشيخ توفيق المدني. وفي هذه الفترة، بدأت الجزائر تعرف مخاضات عسيرة قبيل ميلاد الثورة التحريرية، كما شهدت جمعية العلماء نقاشا منهجيا حول مستقبل نشاطها، وتجاذبها تياران، الأول محافظ يقوده الشيخ خير الدين، وكان متمسكا بالنهج التربوي والتثقيفي،‭ ‬أما‭ ‬الثاني‭ ‬فكان‭ ‬يقوده‭ ‬الشيخ‭ ‬العربي‭ ‬التبسي،‮ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‮ ‬ضرورة‭ ‬أن‭ ‬تلعب‭ ‬جمعية‭ ‬العلماء‭ ‬دورا‭ ‬سياسيا‭ ‬أكبر،‮ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬دورها‭ ‬التربوي‮ ‬والتوعوي‭.‬‮ ‬
    * ‮ ‬‭ ‬
    * مقررات‭ ‬مؤتمر‭ ‬الصومام‭ ‬طبعت‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬الشيخ‭ ‬
    * حسب عائلة الشيخ عبد اللطيف سلطاني، فإن والدهم كان خلال اندلاع الثورة في نوفمبر 1954 يخطب في مساجد رويسو وبلكور وصالامبي (المدنية حاليا) عن الجهاد والثبات، لكنه انضم رسميا إلى ثورة التحرير سنة 1955، وكانت تربطه علاقة متينة ببن يوسف بن خدة، أحد القيادات البارزة‭ ‬للثورة،‭ ‬وكانت‭ ‬شقته‭ ‬في‭ ‬عمارة‭ ‬من‭ ‬عشر‭ ‬طوابق‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬أول‭ ‬ماي‭ ‬وسط‭ ‬العاصمة‭ ‬مركزا‭ ‬يجتمع‭ ‬فيه‭ ‬قادة‭ ‬الثورة‭ ‬في‭ ‬العاصمة،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬الشهيد‭ ‬عبد‭ ‬المالك‭ ‬تمام‭ ‬وعبان‭ ‬رمضان‭.‬
    * ويكشف الشيخ سلطاني في مذكراته غير المنشورة، أن مقررات مؤتمر الصومام كتبت وطبعت في بيته، ويشير نجلا الشيخ فيصل ونبيه إلى أن المؤرخ الفرنسي إيف كوريير هو نفسه لا يعرف هذه الحقيقة، حيث ذكر في أحد كتبه أن مقررات مؤتمر الصومام الذي انعقد في 20 أوت 1956 طبعت في العاصمة،‮ ‬ولا‭ ‬ندري‭ ‬بالضبط‭ ‬أين‭ ‬طبعت‭. ‬
    *
    * العقيد‭ ‬عميروش‭ ‬قال‭:‬‮ "‬لا‭ ‬أثق‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬الشيخ‭ ‬سلطاني‮"‬
    * بعد معركة الجزائر وتفكيك نظام الثورة في العاصمة، قال العقيد عميروش قائد الولاية الثالثة لأحد معاونيه ـ حسبما رواه نجلا الشيخ فيصل ونبيه ـ : "لا أثق إلا في الشيخ سلطاني"، فشخصية الشيخ عبد اللطيف القوية وثباته على الحق جعلا منه محل ثقة، لكن ذلك كلفه غاليا، حيث استدعته السلطات الاستعمارية مرارا للتحقيق معه، وسجنته أكثر من مرة بسبب علاقته بقادة ثورة التحرير، ودوره في شحذ همم الشعب الجزائري لدعم الثورة ومساندتها، والصبر على أذى الاستعمار. ولم يكن الجيش الاستعماري وحده من يمارس ضغوطاته على الشيخ عبد اللطيف لوقف دعمه لثورة التحرير، فمنظمة اليد الحمراء الإرهابية التي اغتالت الزعيم التونسي، فرحات حشاد، والتي كادت أن تغتال أحمد بن بلة في ليبيا، وجهت له عدة تهديدات لمغادرة بيته، وفي آخر رسالة بعثتها له في 1960 هددته بالموت إن لم يرحل، فاستشار الشيخ بعضا من أصدقائه، فنصحه مجاهدو جيش التحرير بمغادرة الجزائر، إما إلى تونس أو إلى مكان آخر، لكنه أبى، فقد عزّ عليه أن يترك عائلته، ولأن هذا العام شهد بداية رحيل المعمرين عن الجزائر، بعد أن أحسوا بأن قرب استقلالها قد اقترب، بدأوا في بيع ممتلكاتهم ومنازلهم، فاشترى الشيخ عبد اللطيف‭ ‬بيتا‭ ‬في‭ ‬القبة‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬المعمرين‭ ‬الإيطاليين،‮ ‬والذي‭ ‬لازال‭ ‬أبناؤه‭ ‬يسكنونه‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭.‬‮ ‬‭ ‬
    *
    * الرجل‭ ‬الذي‭ ‬قال‮ "‬لا‮"‬‭ ‬لبن‭ ‬بلة‭ ‬وبومدين
    *

    * غداة استقلال الجزائر، تصدى الشيخ عبد اللطيف سلطاني لسياسة التغريب التي كادت أن تعصف بالدولة الفتية، ولاحظ انحرافا عن مبادئ ثورة أول نوفمبر، ومحاولات لتمييع الهوية الوطنية، فثار ضد كاتب ياسين الذي كان يستهزئ بالإسلام ويهين رموزه، حيث كان يصف المآذن "بالصواريخ التي لم تنطلق" والمؤذنين بـ"كلاب الدوار"، بل وصلت به الجرأة أن قالها صراحة ذات يوم: "محمد ارحل"!!، وكان يقصد بذلك الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، وكأنه كان يريد من الإسلام أن يرحل عن أرض الجزائر، فكان رد الشيخ عبد اللطيف حازما، وحارب الكلمة بالكلمة والرأي‭ ‬بالحجة‭.‬
    * شخصية الشيخ عبد اللطيف وجهره بالحق مهما كان مرا وقاسيا، دون أن يخشى في الله لومة لائم، جعله يصطدم مع رئيس الدولة الجديد أحمد بن بلة، الذي ألقى خطابا على النساء الجزائريات في قاعة الماجستيك (الأطلس حاليا) بباب الوادي بالعاصمة، دعاهن فيه إلى نزع "الحايك" رمز عفة المرأة الجزائرية، الذي عجزت فرنسا طيلة قرن وثلث القرن أن تدفعهن إلى التخلي عنه، لكنهن في ذلك اليوم، وتحت وقع نشوة الانتصار على الاستعمار، لم يملكن سوى الاستجابة لزعيم الاستقلال، فنزعن الحايك متحديات أزواجهن، ويقول الباحث الفلسطيني صالح عوض "إن أكثر من‭ ‬نصفهن‭ ‬تطلقن‭ ‬أو‭ ‬طلقهن‮ ‬أزواجهن‭ ‬بسبب‭ ‬نزع‭ ‬الحايك‮"‬‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬انتقادا‭ ‬شديدا‭ ‬من‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف‭.‬
    * السياسة التعليمية كانت نقطة خلاف جوهرية بين الرئيس أحمد بن بلة والشيخ عبد اللطيف، الذي انتقد من فوق منبر جامع كتشاوة بساحة الشهداء بالقصبة استعانة الجزائر بآلاف المعلمين العرب، الذين يوجد فيهم المسيحي والشيعي والدرزي والبعثي، ويحملون أفكارا وإيديولوجيات مختلفة عن المنهج التربوي الذي انتهجته جمعية العلماء في تعليم الجزائريين منذ تأسيسها في1931، وكان حينها الشيخ توفيق المدني وزيرا للشؤون الدينية، فذهب مع الشيخ عبد اللطيف إلى الرئاسة، التي استدعت هذا الأخير بسبب انتقاداته لسياسة الدولة التعليمية، واستقبلهما الكاتب العام للرئاسة، عبد المجيد أمزيان، الذي برر لجوء الجزائر إلى المعلمين العرب بنقص عدد المعلمين الجزائريين، فقال له الشيخ عبد اللطيف: "نعتمد على إمكانياتنا ونطور أنفسنا تدريجيا، فلما لم يلق تقبلا من الرئاسة لوجهة نظره، قال لهم "انتظروا النتيجة بعد 20 سنة‮"‬،‭ ‬وبعد‮ ‬20‭ ‬سنة‭ ‬انتشرت‭ ‬الفرنكفونية‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬بشكل‭ ‬لم‭ ‬تعرفه‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬زمن‮ ‬الاستعمار‭. ‬
    *
    * الشيخ‭ ‬تحت‭ ‬الإقامة‭ ‬الجبرية
    * بعد أسبوع من لقاء الرئاسة، صعد الشيخ عبد اللطيف منبر جامع كتشاوة في صلاة الجمعة وخطب في الناس، وهو ساخط على سياسة بن بلة وقال: "إذا أتاك عهد الحمار فعليك بالحشيش"، وكان هذا سببا مباشرا في عزله عن الإمامة في جامع كتشاوة، وطيلة عهد بن بلة (1962 ـ 1965) كانت العلاقات بين الطرفين صدامية، وخلال فترته وضع الشيخ سلطاني تحت الإقامة الجبرية، على غرار الشيخ البشير الإبراهيمي، الذي توفي في 20 ماي 1965، ويقول أبناء الشيخ سلطاني: إن وزير الدفاع هواري بومدين سمح لوالدهم بالخروج من إقامته الجبرية لحضور جنازة الشيخ الإبراهيمي،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬بومدين‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬الشيخ‭ ‬الإبراهيمي‭ ‬لإلقاء‭ ‬النظرة‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬الرجل،‮ ‬الذي‭ ‬جاهد‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬حرية‭ ‬هذا‭ ‬الوطن،‮ ‬فإذا‭ ‬به‭ ‬يموت‭ ‬في‭ ‬إقامته‭ ‬الجبرية‭ ‬التي‭ ‬وضعه‭ ‬فيها‭ ‬بن‭ ‬بلة‭.‬
    *
    * بومدين‭ ‬يعيده‭ ‬إلى‭ ‬كتشاوة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬عزله‭ ‬بن‭ ‬بلة‮ ‬‭ ‬
    *

    * الرئيس الراحل، هواري بومدين، وحسب عدة شهادات، كان محبا للإسلام وللعروبة، وهو الذي يقال إنه درس في الزاوية الحملاوية بڤالمة، وفي المدرسة الكتانية بقسنطينة، ثم درس في الأزهر، ويقول أبناء الشيخ عبد اللطيف إن الشيخ البشير الإبراهيمي هو الذي نصحه بدخول الكلية العسكرية‭ ‬في‭ ‬القاهرة،‭ ‬لذلك‭ ‬كان‭ ‬حبه‭ ‬للإسلام‭ ‬والعلماء‭ ‬قويا‭.‬
    * وعندما أطاح بومدين ببن بلة في انقلاب عسكري يوم 19 جوان 1965، بعد شهر من وفاة الشيخ الإبراهيمي، أرسل (بومدين) مرسولا إلى الشيخ عبد اللطيف على الساعة الرابعة فجر ذلك اليوم، قال له: "جئنا نبشرك بأننا نزعنا عدوك، وبومدين يطلب منك أن تلقي كلمة في التلفزة لتأييد‭ ‬النظام‭ ‬الجديد‮"‬‭ ‬ولكن‭ ‬الشيخ‭ ‬سلطاني‭ ‬تهرب‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المسؤولية‭ ‬بحكمة‭ ‬ورد‭ ‬قائلا‭: ‬‮"‬هذا‭ ‬موقف‭ ‬سياسي‭ ‬وعسكري‭ ‬وأنا‭ ‬رجل‭ ‬دين‮"‬‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬أعاد‮ ‬بومدين‭ ‬الشيخ‭ ‬سلطاني‭ ‬إلى‭ ‬جامع‭ ‬كتشاوة،‮ ‬إماما‭ ‬وخطيبا‭.‬
    *
    * بومدين‭ ‬ينقلب‭ ‬على‮ ‬الشيخ
    * وفي الأول من نوفمبر 1965، نظم بومدين استعراضا عسكريا حاشدا، ووجه دعوة للشيخ عبد اللطيف سلطاني لحضور هذا الاستعراض، لكن الشيخ تأخر في الحضور، فعاتبه بومدين على ذلك، فبرر الشيخ تأخره بصعوبة إيجاد سيارة أجرة لإيصاله إلى الاحتفال في الوقت المحدد، فقال له بومدين: "يشرفننا أن نأتي نحن لزيارتك" وتحدث الرجلان مليا في ذلك اليوم، إلا أن الشيخ عبد اللطيف انزعج كثيرا لما لاحظ فتيات يرتدين لباسا قصيرا جدا يشاركن في الاستعراض، فانتقد ذلك في خطبة الجمعة وقال: "الدول تتباهى بجيوشها والجزائر تتباهى ببناتها"، وهذا أثار حفيظة‭ ‬مقربين‭ ‬من‮ ‬بومدين‭ ‬فعزلوه‭ ‬من‭ ‬الخطابة‭ ‬في‭ ‬مسجد‭ ‬كتشاوة،‮ ‬ولكنه‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬واصل‭ ‬التدريس‭ ‬في‭ ‬عدة‮ ‬ثانويات‭ ‬بالعاصمة‭.‬
    * وفي سنة 1966، كان الشيخ عبد اللطيف سلطاني أول إمام يصلي الجمعة بالناس في مسجد فارس الذي يدعى "جامع اليهود"، بعد أن أعيد ترميمه وتحويله من معبد يهودي إلى مسجد، وفي الأصل بناه العثمانيون، وكان يسمى حينها مسجد "سيدي الحربي"، وبعد الاحتلال الفرنسي للجزائر في 1830‭ ‬جاء‭ ‬مهندس‭ ‬فرنسي‭ ‬وهدم‭ ‬المسجد‭ ‬في‮ ‬1837‮ ‬وبنى‭ ‬مكانه‭ ‬كنيسا‭ ‬يهوديا،‭ ‬لم‭ ‬يتمكن‭ ‬الجزائريون‭ ‬من‭ ‬استرجاعه‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭ ‬من‮ ‬الاستقلال‭. ‬
    *
    * لا‭ ‬أحد‭ ‬انتقد‭ ‬الاشتراكية‭ ‬علنا‭ ‬إلا‭ ‬الشيخ‭ ‬سلطاني
    *

    * ورغم جسارته في قول الحق، إلا أن الشيخ سلطاني شارك في إعداد أول قانون للأسرة في الجزائر المستقلة، مستمدا من مبادئ الشريعة الإسلامية، دون أن يمنعه ذلك من انتقاد الاشتراكية التي أصبحت في زمن بومدين "خيارا لا رجعة فيه"، ولم يكن في الجزائر من يجرأ على انتقاد الاشتراكية‭ ‬جهارا‭ ‬نهارا‭ ‬سوى‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف‭ ‬سلطاني،‮ ‬الذي‭ ‬تحدى‭ ‬بومدين‭ ‬بإصدار‭ ‬كتاب‭ ‬لاذع‭ ‬طبع‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬بعنوان‭ ‬‮"‬المزدكية‭ ‬هي‭ ‬أصل‮ ‬الاشتراكية‮"‬،‭ ‬وأرسل‭ ‬نسخة‭ ‬مجلدة‭ ‬إلى‭ ‬بومدين‭.‬
    * هذا الكتاب كان سببا في سخط أرباب الدولة على الشيخ سلطاني، ولم يكتفوا بمصادرته ومنع توزيعه في الجزائر، بل إن ڤايد أحمد وزير المالية آنذاك، انتقد الشيخ وقال إنه يتحصل على أجرتين من وزارتي الشؤون الدينية والتربية (كإمام وكأستاذ)، ولم يكن قايد أحمد يعلم أن الشيخ يخطب على الناس تطوعا، فرد عليه الشيخ سلطاني في خطبة الجمعة قائلا: "قايد أحمد يقول عني كذا وكذا، وإذا كان أحدهم أعطاني شيئا فليتقدم"، وبعد أيام اعتقله الأمن وأحضروه إلى قايد أحمد، الذي لام عليه تناوله في خطبة الجمعة، فرد عليه الشيخ: "أنت اتهمتني أمام الملأ ولم تكن أمامي من قناة لأرد عليك أمام الناس سوى المنبر، فتحدث قايد أحمد عن كونهم من فجروا الثورة.. فعلق عليه الشيخ قائلا: "سي سليمان لا تقل هذا الكلام حتى لا يضحك عليك الرجال". وهذا ما زاد في حنق قايد أحمد على الشيخ سلطاني.
    *
    * اعتقال‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬صلاة‭ ‬جمعة
    * ولأن خطب الشيخ عبد اللطيف أصبحت تشكل صداعا أسبوعيا لأرباب الدولة، ظل رجال الأمن يعتقلون الشيخ كل جمعة لساعات، ولا يطلقون سراحه إلا بعد انتهاء صلاة الجمعة، وهذا ما أزعج الشيخ عبد اللطيف، الذي كان له ابن يعرف الرائد بوزادة الذي كان مقربا من بومدين، فأبلغه معاناة‭ ‬والده‭ ‬من‭ ‬اعتقالات‭ ‬الأمن‭ ‬له‭ ‬قبل‭ ‬صلاة‭ ‬الجمعة،‭ ‬وبعدها‭ ‬لم‭ ‬يتم‮ ‬اعتقاله‭ ‬مجددا‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭.‬‮ ‬‭ ‬
    * غير أن الشيخ عبد اللطيف لم يتوقف عن انتقاد الاشتراكية، في زمن كان التنكر فيه لخيار بومدين "خيانة لا تغتفر"، وقام رجال الدرك باعتقال الشيخ في إحدى المرات، خاصة وأن كتاب "المزدكية هي أصل الاشتراكية"، بدأ ينتشر في بعض الأوساط المثقفة والجامعية ،وحتى رجال في السلطة، رغم أنه كان ممنوعا في الجزائر. وكان حينها العقيد أحمد بن شريف على رأس الدرك الوطني، وعندما علم أن رجاله اعتقلوا الشيخ عبد اللطيف سلطاني، أرسل في طلبه واستقبله باحترام، و"شكره على تشريفه له في مجلسه"، ثم طلب منه طلبا غريبا، وقال له: هل بقي لك نسخة أو نسختان من كتاب المزدكية هي أصل الاشتراكية؟"، فقد كان بن شريف ـ حسب أبناء الشيخ عبد اللطيف ـ يحترمه، بل أطلق سراحه وأرسل معه كبشا هدية له. وحتى بومدين، وإن كان صارما مع كل من يعترض على النهج الاشتراكي، إلا أن احترامه للشيخ كان فوق كل اعتبار، حتى إنه قال له‭ ‬ذات‭ ‬يوم‮:‬‭ ‬‮"‬قل‭ ‬ما‭ ‬تشاء‮"‬،‭ ‬وعندما‭ ‬صادف‭ ‬وأن‭ ‬التقى‭ ‬أحد‭ ‬أبناء‭ ‬الشيخ‭ ‬سأله‭:‬‮ "‬كيف‭ ‬أحوال‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف؟‮"‬‭.‬
    *
    * من‭ ‬الإقامة‭ ‬الجبرية‭ ‬إلى‭ ‬الرفيق‭ ‬الأعلى
    *
    * بعد وفاة الرئيس هواري بومدين في ديسمبر 1978، اعتلى الشاذلي بن جديد سدة الحكم، ورغم أن نظام الشاذلي كان أقل تشددا من نظام بومدين، إلا أن الشيخ عبد اللطيف سلطاني اعتقل في 1982 في قضية الجامعة المركزية المشهورة، وطيلة 15 يوما لم تعلم عائلته مكان وجوده، ووضع في السجن لفترة، وما حز في نفس الشيخ أن الأمن الفرنسي لما سجنه سمح له بارتداء لباسه العربي داخل الزنزانة (برنوس أبيض وشاش وحذاء الأبيض) وتركوا معه المصحف وساعته حتى يعرف مواقيت الصلاة، إلا أن السلطات الجزائرية في زمن الشاذلي حرمته من المصحف والساعة، وألبسته لباس‮ ‬السجناء،‮ ‬بعدما‭ ‬نزعت‭ ‬عنه‭ ‬لباسه‭ ‬الأبيض‭ ‬الزبدي،‭ ‬ثم‭ ‬عرض‭ ‬على‭ ‬محكمة‭ ‬أمن‭ ‬الدولة‮ ‬التي‭ ‬حكمت‭ ‬عليه‭ ‬بالإقامة‭ ‬الجبرية‭.‬
    * وخلال وضعه في الإقامة الجبرية، اضطر إلى إجراء عملية جراحية في المستشفى على جبهته، وكان من المفروض أن يمكث فيه تحت العناية المركزة، لكنه أجبر على العودة إلى إقامته الجبرية في ظروف صحية حرجة، وخلال فترة إقامته الجبرية أنهى آخر كتاب ألفه في نفس اليوم الذي قبض‭ ‬الله‭ ‬فيه‭ ‬روحه،‭ ‬ولكنه‭ ‬كان‭ ‬كتابا‭ ‬بلا‭ ‬عنوان،‭ ‬مازال‮ ‬مخطوطا‭ ‬لم‭ ‬يصدر‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭.‬
    * وقبل وفاته، كان له صديق عزيز وهو صهره أيضا (والد زوجة ابنه فيصل)، وعندما علم الشيخ عبد اللطيف سلطاني بوفاته حزن حزنا شديدا، ولما منعته السلطات من إلقاء النظرة الأخيرة على جثمان صديقه وصهره، ولا حتى المشي في جنازته، قال كلمته الأخيرة: "بعدونا عن الأحباب ربي‭ ‬يبعد‭ ‬عليهم‭ ‬الجنة‮"‬،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬أقصى‭ ‬ما‭ ‬استطاع‭ ‬جسده‮ ‬المنهك‭ ‬أن‭ ‬يتحمله،‮ ‬فأصيب‭ ‬بسكتة‭ ‬قلبية‭ ‬وفاضت‭ ‬روحه‭ ‬إلى‭ ‬بارئها‭ ‬في‭ ‬آفريل‭ ‬1984،‮ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬إقامته‭ ‬الجبرية‭.‬
    * البيان‭ ‬وأمن‭ ‬الدولة
    * تكشف مذكرات الشيخ عبد اللطيف سلطاني (غير منشورة) أن دوره في قضية الجامعة المركزية في 1982 التي اعتقل فيها رفقة الشيخ أحمد سحنوني وعدد من الأساتذة والطلبة والناشطين الإسلاميين، كان هدفه الأساسي تهدئة الغليان بين الطلبة والشرطة وليس معاداة الدولة كما اتهم‭ ‬بذلك‭.‬
    * وبالنسبة لاتهامه بمعاداة الدولة ونشر وتوزيع منشور قال الشيخ عبد اللطيف لدى استجوابه في محكمة أمن الدولة بالمدية "أما المنشور فنعم، لأن حالة من توتر ظهرت أخيرا بين الطلاب الجامعيين والشرطة فأردنا بنشره وتوزيعه تهدئة الحالة النفسية من ذلك التوتر والاضطراب لأن‭ ‬الطلبة‭ ‬الجامعيين‭ ‬لهم‭ ‬ثقة‭ ‬في‭ ‬علمائهم‮"‬،‭ ‬موضحا‭ ‬أن‭ ‬‮"‬العلماء‭ ‬تقدموا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المنشور‭ ‬للدولة‭ ‬بما‭ ‬يشكو‭ ‬منه‭ ‬الطلبة‭ ‬حتى‭ ‬تراجع‭ ‬أمرهم‮"‬‭. ‬
    * وشدد الشيخ عبد اللطيف على ضرورة أخذ العلماء بيد الشباب الجزائري حتى لا تؤثر عليهم دعاية الشيوعيين الذين اتهمهم بأنهم لم يشاركوا في ثورة التحرير، وقال "لسنا من العلماء الناصحين إذا سكتنا عن هذا الخطر (الشيوعي) الذي يهدد ديننا ومجتمعنا الإسلامي"، وبالنسبة لاتهامه‭ ‬بمعاداة‭ ‬الدولة،‭ ‬فاعتبر‭ ‬ذلك‭ ‬‮"‬تهمة‭ ‬باطلة‭ ‬ورخيصة‭ ‬أريد‭ ‬بها‭ ‬الإساءة‭ ‬إلى‭ ‬سمعتي‮"‬‭. ‬
    *
    * أصداء
    *
    * ‮- ‬أدى‮ ‬الشيخ‮ ‬فريضة‮ ‬الحج‮ ‬3‮ ‬مرات‮ ‬واعتمر‮ ‬6‮ ‬مرات‮.‬
    * ‮- ‬لم‮ ‬يتمكن‮ ‬الشيخ‮ ‬من‮ ‬طبع‮ ‬كتابه‮ "‬المزدكية‮ ‬هي‮ ‬أصل‮ ‬الاشتراكية‮" ‬في‮ ‬الجزائر،‮ ‬بسبب‮ ‬منع‮ ‬السلطات‮ ‬ذلك،‮ ‬وقد‮ ‬أجبر‮ ‬الشيخ‮ ‬على‮ ‬التوجه‮ ‬إلى‭ ‬المغرب‮ ‬لطبعه،‮ ‬واستغرقت‮ ‬العملية‮ ‬7‮ ‬أشهر‮ ‬كاملة‮ ‬على‮ ‬حسابه‮ ‬الخاص‮.‬
    * ‮- ‬قال‮ ‬الشيخ‮ ‬الطاهر‮ ‬آيت‮ ‬علجت،‮ ‬إن‮ ‬الشيخ‮ ‬البشير‮ ‬الإبراهيمي‮ ‬علق‮ ‬على‭ ‬النهج‮ ‬الاشتراكي‮ ‬الذي‮ ‬اختاره‮ ‬بن‮ ‬بلة‮ ‬بعد‮ ‬الاستقلال‮ ‬بأنه‮ "‬اشترى‮ ‬ـ‮ ‬كية‮".‬
    * ‮- ‬أثناء‮ ‬الإقامة‮ ‬الجبرية،‮ ‬كان‮ ‬الشيخ‮ ‬سلطاني‮ ‬يغتسل‮ ‬كل‮ ‬جمعة،‮ ‬ويتعطر‮ ‬ويتهيأ‮ ‬للذهاب‮ ‬إلى‭ ‬المسجد،‮ ‬لكن‮ ‬الشرطة‮ ‬كانت‮ ‬تمنعه‮ ‬كل‮ ‬مرة،‮ ‬وكان‮ ‬هو‮ ‬يعيد‮ ‬المحاولة‮ ‬كل‮ ‬جمعة‮ ‬لإقامة‮ ‬الحجة‮!
    avatar
    رياح النــــــــــــــصر
    مشرف مميز مؤسس
    مشرف مميز مؤسس

    ذكر عدد المساهمات : 333
    نقاط التميز : 3654
    السٌّمعَة : 10
    تاريخ التسجيل : 18/08/2010
    العمر : 32
    العمل/الترفيه العمل/الترفيه : طالب جامعي

    رد: احد رجالات الثورة المغيبون

    مُساهمة من طرف رياح النــــــــــــــصر في الأحد أغسطس 21, 2011 6:14 pm

    وينكم يا مثقفين اين الردود


    _________________


      الوقت/التاريخ الآن هو السبت نوفمبر 17, 2018 2:41 pm